عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

144

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

فالصدق في الأقوال : استواء اللسان على المقال ، والصدق في الأعمال : استواء الأركان على الشرع في الأفعال وهما من المكاسب ، وصدق الأحوال : استواء الجنان على الفضل والنوال من فيض ذي الجلال وهو من المواهب . وذلك تالي درجة النبوة . لقوله تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [ النّساء : 69 ] الآية . وعلى الحقيقة . لا يلزم الصدق أحدا في الأقوال والأعمال والأحوال إلا بحسن التوفيق من اللّه تعالى ، كما قال تعالى : « إن اللّه مع الصادقين » أي معهم بالتوفيق للصدق ومنشأ الصدق هو المعرفة ، لأنك إذا عرفت ممن تخاطب أنه واقف على صدقك وكذبك وهو قادر على مجازاتك وأنه لا ينجيك من عقوبته إلا صدقك ، فقد صدقت معه . والصدق أصل لسائر أعمال البر وعلى قدر قوة الصدق يزداد العبد في أعمال البر وهو موهبة من اللّه ، فإذا وقع في القلب سطع لذلك نور وله هياج في القلب وأخذ في الرأس ، وانتشر في سائر الجسد ، فيأخذ كل جارحة منه قبسا من الصدق على قدر الكثرة والقلة من هيجان الصدق . وعلى قدر ما وافق من ذلك رقة القلب وصحة العقل وربما هاج الصدق في القلب فولهه ، وربما حيره ، وربما أذهله وربما أبكاه وأحزنه وربما نغص عليه الطعام والشراب ، وربما دار منه البكاء والنحيب وربما زعق وشهق وربما زال عنه العقل ساعة وربما سقط عنه التمييز ساعة ويوما ويومين وأكثر على قدر هيجان الصدق من القلب ، وربما يوحش من الخلق إلى أنس الوحدة ، وربما دام به الحزن واقشعر منه الجلد ، وربما لم ينتفع به أهل ولا ولد فهذا الذي وصفناه كله وأكثر من هذا يهيجه من القلب صدق الحياء أو صدق الخوف أو صدق المحبة . وأن من أمارات الصادق الصديق ما قيل : أن لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل إصلاح قلبه ، ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله ، ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله . لأن كراهيته لاطلاع الناس على عمله دليل منه على حب الزيادة عندهم ، وليس هذا من أخلاق الصديقين . اللهم إلا أن يكون قصدهم في ذلك صلاح الناس وحسن إدارتهم لينتفعوا بها ولم ينكروا ، فإن إنكارهم يضر بهم . ومن علامة الصديق أن يكون بصواب القول ناطقا ولسانه محزونا ، فإذا نطق فكلامه بالحق موزون . وإنه طاهر القلب من كل دنس يصافي مولاه في كل نفس وإنه متمني الموت شوقا إلى لقاء محبوبه قال اللّه تعالى : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ